
(حضرموت21) خاص
بقلم: د. محمد جمال الشعيبي
أستاذ المالية العامة – جامعة عدن
شهدت الأسواق اليمنية مؤخرًا تحسنًا ملحوظًا في سعر صرف الريال اليمني أمام العملات الأجنبية، وهو ما اعتبره البعض مؤشرًا إيجابيًا على تحسّن الوضع الاقتصادي. غير أن القراءة المتأنية للأوضاع المصاحبة لهذا التحسّن تكشف أن ما يحدث لا يعدو كونه تحسنًا سطحيًا هشًا، لا يستند إلى إصلاحات حقيقية أو استقرار اقتصادي فعلي، خاصة في ظل الفارق الكبير بين سعر الشراء وسعر البيع للعملات، وهو فارق يحمل دلالات مالية واقتصادية عميقة وخطيرة في آنٍ واحد.
أولًا: انعدام الاستقرار والثقة في السوق
الفجوة الكبيرة بين سعري البيع والشراء تعكس حالة من انعدام الثقة في السوق، سواء لدى الصرافين أو المتعاملين. وهذا السلوك يُفهم ضمن سياسة التحوط التي يعتمدها المضاربون خشية تقلبات مفاجئة في سعر الصرف، ما يجعلهم يبالغون في توسيع الفارق بين السعرين لتقليل حجم المخاطر.
ثانيًا: هيمنة المضاربين وغياب المنافسة
الواقع يشير إلى أن السوق يخضع لسيطرة حفنة من كبار الصرافين والمضاربين ممن يمتلكون رؤوس أموال ضخمة، ويمارسون الاحتكار عبر فرض فروقات سعرية غير منطقية لتحقيق أرباح سريعة. ويأتي ذلك في ظل غياب فعلي للرقابة والمحاسبة من قبل الجهات الرسمية، وهو ما يخلق بيئة خصبة للمضاربة والاستغلال.
ثالثًا: ضعف دور البنك المركزي
إن الفجوة السعرية تعكس كذلك ضعف البنك المركزي وعجزه عن ضبط السوق أو إصدار نشرات ملزمة تُحدّد الأسعار بشكل يومي. كما أن غياب احتياطي نقدي حقيقي لدى البنك يُفقده القدرة على التدخل في السوق، سواء من خلال شراء العملة أو ضخها للتحكم في السعر. وتزداد الأزمة تعقيدًا مع تعطل دور البنوك التجارية والإسلامية، وغياب أي فعالية حقيقية للقطاع المصرفي الرسمي، الذي بات ظله باهتًا أمام نشاط محلات الصرافة.
رابعًا: عرض نقدي غير حقيقي وتحسن هش
التحسن الأخير في سعر صرف الريال لا يعكس تحسنًا حقيقيًا في الوضع الاقتصادي، بل هو نتيجة لمجموعة من الإجراءات المؤقتة وغير المستدامة. وتشمل هذه الإجراءات اجتماعات وتصريحات إعلامية متكررة من الحكومة والبنك المركزي، لكنها تفتقر للجدوى الفعلية. هذه التحركات تُحدث نوعًا من الإرباك المؤقت للمضاربين، غير أن السوق سرعان ما يستعيد نشاطه السابق بمجرد أن يتأكد من غياب أدوات تدخل فعالة من قبل البنك المركزي.
خامسًا: مناورات إعلامية دون نتائج ملموسة
من الأمثلة على هذه المناورات تصريحات محافظ البنك المركزي بشأن مؤسسات عامة لا تورد إيراداتها للبنك، أو قرارات بإغلاق بعض محلات الصرافة المخالفة، وهي خطوات تُعطي انطباعًا بفرض الدولة سلطتها على السوق. لكن الواقع يقول إن هذه المؤسسات لا تزال خارج نطاق الرقابة، ومحلات الصرافة تواصل نشاطها، واللجان المعلنة – مثل لجنة إعداد الموازنة العامة – لم تحقق أثرًا ملموسًا بعد.
خلاصة القول
إن التحسن في سعر صرف الريال اليمني لا ينبغي أن يُفهم كمؤشر حقيقي على تحسّن اقتصادي ما لم يُعزز بإصلاحات فعلية، وإجراءات ملموسة، وضبط مالي ونقدي حقيقي. الفارق الكبير بين سعر البيع والشراء يكشف عن سوق تعاني من ضعف الثقة، وهشاشة البنية الاقتصادية، وهيمنة المضاربين. لذا، فإن أي تحسّن ظاهري لن يدوم طويلًا ما لم يتم علاج جذور المشكلة، وتفعيل أدوات السياسة النقدية، وإعادة الثقة إلى النظام المصرفي برمته.
#مختصر_الكلام:
تحسن الريال اليمني لا يعكس بالضرورة تحسنًا اقتصاديًا، بل قد يكون مؤشرًا على هشاشة السوق، وغياب الثقة، وهيمنة المضاربة. ما لم يتم التدخل بإجراءات حقيقية، سيظل هذا التحسن مجرد ومضة مؤقتة في مشهد اقتصادي مضطرب.



